وطن
في أيّ أندلُسٍ أنتهي؟ هَهُنا أم هُناكَ؟ سأعرِفُ أنّي هلكتُ وأني
..تركتُ هنا خيرَ مافِي: ماضي
- محمود درويش | أحد عشر كوكبا
كان رأس العجوز ممتلئًا بالأوهام. ظلّ يحدّق في اليمّ الذي أمامه، كأنّه ينتظر أن يخرج منه شيءٌ يعرفه، شيءٌ تأخر كثيرًا عن موعده. كان يتذكّر فوزنا بالحرب، أو هكذا كان يقول. وبين الربح والخسارة خيطُ شعرةٍ وموت.
كانت سنة 76.
سنة السقوط.
أذكر أن الراديو، في تلك الأيام، كان ينقل كل شيءٍ بالمقلوب، عدا النهاية التي عرفناها جميعًا. كان صوت أحمد سعيد يأتينا من «صوت العرب» في القاهرة، محمّلًا بالتهديدات والأخبار والوعيد. كنا جميعًا نتعلّق بذلك الصوت، كأنّه حبلٌ ألقاه أحدهم إلى الغرقى، فتشبثنا به بكل ما بقي لنا من أمل.
لكن الخيط بدأ ينقطع تدريجيًا.
ثم جاء صوت الهزيمة مدوّيًا.
ومنذ ذلك اليوم، لا أعرف كيف، ظلّ هذا العجوز عالقًا بطرف الخيط.
عالقًا في منتصف الأشياء؛ لا هو عاد، ولا هو استطاع أن يرحل.
كان يقول لنا إنه سيعود إلى الفالوجة قريبًا، أو ستأتي الفالوجة وتأخذه إليها. وكان يضحك حين يقول ذلك، كأن الأمر لا يحتاج إلا إلى قليل من الانتظار. وبين الذهاب والمجيء كانت هناك أحلامٌ مسفوحة، ومذابح، وأرضٌ موعودة، وأرضٌ مسروقة، وأناسٌ يموتون وهم يحدّقون في الجهة التي تركوا فيها بيوتهم.
كان لا يتحرك من أمام البحر أبدًا.
لعلّه كان يلمح الفالوجة خلف هذا الماء.
أو لعلّه كان ينتظر أن يخطئ البحر ذات يوم، فينحسر قليلًا، فتظهر له الطريق التي أُغلقت منذ زمن.
وربما لم يكن ينتظر شيئًا.
ربما كان فقط يحاول أن يتذكر.
فالذين يفقدون أوطانهم لا يعودون يعرفون إن كانوا ينتظرون عودتها، أم ينتظرون أنفسهم التي تركوها هناك.
ظلّ العجوز واقفًا أمام البحر، مثل رجلٍ نسي أن يعود إلى بيته، أو مثل بيتٍ نسي أهله الطريق إليه.
ولربما تعلّق بالفالوجة كما تعلّق الأندلسيون بأندلسهم؛ حين عرفوا أن الأرض يمكن أن تسقط من أيديهم، فدسّوها في شعرهم، وحملوها في قصائدهم، وأخفوا مدنهم بين الكلمات، كي لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعها منهم مرةً أخرى.
أما نحن، فلم يكن لدينا شعرٌ يكفي لكل هذه الأرض.
فحملناها في المفاتيح.
مفاتيح البيوت التي لم تعد بيوتًا، والأبواب التي لم تعد تنتظر أحدًا، والغرف التي صار يسكنها غرباء لا يعرفون أسماءنا.
علّقناها على رقابنا، كما لو أن الوطن بابٌ، وكأن الباب سيظلّ هناك إلى أن نعود.
هم حملوا الأندلس في شعرهم.
وهو حمل الفالوجة في رأسه.
ونحن حملنا الأرض في مفاتيح معلّقة على رقابنا.
وكلنا، بطريقةٍ ما، كنا نحاول أن نحمل وطنًا سقط من الخريطة، لكنه لم يسقط منّا.
ولهذا ظلّ العجوز أمام البحر.
كان يعرف، ربما، أن البحر لا يعيد أحدًا.
لكنه كان يعرف شيئًا آخر أيضًا:
أن الإنسان يستطيع أن يعيش عمره كله على طرف خيطٍ انقطع منذ زمن، فقط لأن الاعتراف بانقطاعه يعني أن عليه أخيرًا أن يترك وطنه يموت.