وريتا بين عيوني .. بندقية

21 يوليو 2026 ٣ دقيقة قراءة مها
وريتا بين عيوني .. بندقية
ستندهش في البداية. لماذا هذه الرسالة بالفصحى؟ لعلها اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تحمل ما عجزتُ عن قوله طوال هذا الوقت، أو لأنني أردت أن تكون آخر رسائلنا مكسوّةً بشيءٍ من الرسمية، كما بدأنا، قبل أن تفسدنا الألفة. يقولون إن العاشقين لا يستطيعان أن يعودا غريبين إلا إذا أنجبا ابنًا غير شرعي اسمه الكره، أو البغض. لم استطع ان اجد سوى المرادف الاخر للكره لان لاشيء نحملة كزائدةٍ دودية، لا تُميت صاحبها، لكنها تؤلمه كلما ظن أنه تعافى. غير أن مصيبتها ليست في الجسد، بل في القلب. أخبرتني عند النهاية أنك تحبني. وما زلتُ، إلى الآن، أتساءل: لماذا لم يشعر بهذا الحب إلا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؟ كيف استطاع أن يختبئ عنا طوال هذا الوقت، ثم يظهر لحظة الوداع فقط؟ وكعادتك في الهرب حين اعترفت به، تبدّدت كالسراب. أو لعل خادم السراب من أحتجزك داخل قلعته.. شعرتُ بوخزةٍ في قلبي، في الموضع ذاته الذي تسكنه تلك الزائدة. لكني اعتدت الفعل، فبات كل شيء بالنسبة لي مألوف قطعنا، بين مدٍّ وجزر، مسافاتٍ طويلة من الخلافات. كانت خلافاتنا الصغيرة تلد أكبر منها، وكأنها تتكاثر كلما حاولنا دفنها. كنا نظن أننا نتجاوزها، بينما كنا في الحقيقة نراكمها فوق صدورنا. كنت تقول بانك حر وتخاف بأن تصير هذه العلاقة سجنك الصغير وكلما كررت موشح الحرية، كان محمود درويش يهمس في رأسي: «حيٌّ وحرٌّ حين أنسى.» لم أفهمه يومًا كما أفهمه الآن. كنتُ غاضبةً منه، ومن ريتا، ومن القصيدة كلها. كيف استطاع أن يجعل الحب جميلًا إلى هذا الحد، وهو يعرف أنه مستحيل؟ أما اليوم، فأدرك أن القصائد لا تُكتب لتغيّر الواقع، بل لتشهد عليه. والقدر... يجيز لنفسه كل شيء، لأنه لا يُحاسب. «اسمُ ريتا كان عيدًا في فمي جسمُ ريتا كان عرسًا في دمي وأنا ضعتُ بريتا... سنتين.» أكتب إليك الآن، وأنت راقدٌ في مخيلتي داخل نعشك المتخيّل. امام قبرك الحقيقي ومن حولك في المكانين صمتٌ يشبه الوقار، ومراسم موتٍ هادئة، كأن العالم كله اتفق أخيرًا على ألا يزعجك. أما أنت، فما زلت تعيش في مكانٍ لا تصل إليه يدي، ولا تصل إليه رسائلي. أكتب بعدما مرّ خمسة وعشرون عامًا على نهايتنا. احتجت ربع قرنٍ كامل حتى أستطيع أن أكتب عنك دون أن ترتجف يدي، ودون أن أراجع الجملة عشر مرات خوفًا من أن أبكي بين كلماتها. ولم استطع الكتابة عنك ونحنا نعيش تحت الفضا نفسه، هي اخر الرسائل التي حملتها في نفسي والتي استطعت ان اكتبها قبلما تهترئ الكلمات رحلتَ، ثم رحلتُ أنا بطريقةٍ أخرى. أنت إلى برزخٍ ننساه إلا في مواسم المواعظ الدينية، وأنا إلى حياةٍ تشبه النجاة أكثر مما تشبه العيش. لقد اهترأت الكلمات طويلًا تحت صخب المشاعر، حتى فقدت قدرتها على النجاة. أما الآن، وبعد كل هذا الزمن، لم يبقَ سوى اللغة وهذه الرسالة التي ساضعها قرب شاهدك.. واللغة، على عكس الحب، تعرف دائمًا كيف تصل متأخرة... دون أن تعتذر.
شارِك