على عَتَبَةِ الماضي
ها أنا الآن أدفع ثمن ما قرأت، وما كتبت، وما تمنّيت. الآن، وسط قيئي وكتبي ورسالةٍ أكتبها إليكِ، وزجاجةِ الخمر الفارغة، أفكّر بكِ. أفكّر في لحظة الوداع، لحظة انغلاق الباب، في رحيلكِ الأول والأخير. أحمل تاريخنا كذنبٍ قديم؛ أحمل وزر قتل أحلامي وأحلامكِ، وأحمل وزر مقتلنا.
أشعر بالتعب. أشعر أنكِ في قلب هذا التعب، كشاعرٍ ارتدى ألف قناع، يسأل عن ماهية الحياة وعن قيمة الحقيقة في هذا العالم الواهي. أحب هذا التعب لأنه منكِ؛ أشعر بالحياة من خلاله، وأشعر بنفسي معجونًا بكِ، كيانين لا ينفصلان أبدًا، وثمرتهما هذا الألم النابع من الوله.
لا أثر لصدى صوتي؛ يرتدّ إليّ وحدي، فلا تصلكِ نداءاتي، ولا حتى رغبتي الوحيدة في أن تكوني معي. أشعر بأنني وحيدٌ في هذا الفراغ المأهول، وأن ذلك الجرح الذي لا براءة لي منه يتبعني ككيانٍ منفصل، كظلّ. بدأت أشكّ في وجودي أنا، وأؤمن بوجوده أكثر مما أؤمن بوجودي.
أشعر بأنكِ بعيدة؛ كمدينةٍ مفقودة، كحلمٍ ضائع، كرغبةٍ ميتة. بعيدةً عني، قصيّةً، لا تلمسكِ يداي، ولا تضمّكِ ذراعاي.
وعندما أراكِ بعد كل هذه السنين، بعد كل هذا الفقد، ينتابني سؤال واحد أحمله في نفسي
هل تغيّرتِ بعد كل ذلك الوقت؟
هل غيّرتكِ مدينتكِ؟ هل مات شعراؤكِ في نفسكِ التي كانت تحبّهم؟ أخشى أن أبحث عنكِ في عينيكِ فلا أجدكِ. أخشى أن تغيّري عاداتكِ؛ أن تشربي القهوة مع السكر، وأن تهجري سماع فيروز في كل الأوقات، وألّا تقرئي كتبنا التي اعتدنا أن نقرأها معًا. والأفدح من ذلك أن تغيب أسماء أبطالها من ذاكرتكِ؛ تلك الأسماء التي قلّما خلت أحاديثنا من استحضارها، أو من تشبيهٍ يستعيرها.
هذا ما كنت أخشاه. هذا ما كنت أسأل نفسي عنه طويلًا.
وعندما رأيتكِ، تحققت مخاوفي. كأنني أصبحت شاهدًا على مؤامرة سيدات القدر الثلاث، أو على أولئك الساحرات اللواتي قدن ماكبث إلى الجنون.
كنتِ واقفةً أمام كشكٍ لبيع الفلافل، تتحدثين بلكنةٍ فرنسيةٍ إنجليزية. لعلّنا كنا في غربةٍ اخترناها، ثم وجدنا أنفسنا، على اتساعها، نبحث عن شيءٍ يشبهنا. وعندما لمحتكِ من الخلف عرفتكِ. همستُ باسمكِ بعربيةٍ أنبتت جذورها في نفسي بعدما ظننت أن الأعشاب قد غطّتها.
التفتِّ إليّ بكامل حضوركِ. ارتسمت على شفتيكِ ابتسامةٌ مقتضبة، وكانت تؤلمني تلك الابتسامة؛ لأنني شعرت أنها ابتسامة شخصٍ لمح صديقًا قديمًا، أو ذكرى قديمة نستأنس بها لحظةً ثم نركنها عندما تنتهي، ونكمل المسير.
مددتِ إليّ يدكِ، فضممتها بين يديّ وأنا أهمس باسمكِ للمرة الثانية.
فعادت الذكرى.
عادت هذه المرة بقوة.
في بيتنا الصغير، وعلى سريرنا الواسع، واضعةً رأسكِ على كتفي، وكنتُ أهمس في أذنكِ باسمكِ تأكيدًا على وجودكِ في نفسي وفي هذه الحياة؛ وجودًا يفوق وجودي أنا، أو لعلّ وجودي نفسه كان مرتبطًا بعينيكِ اللتين أرى من خلالهما العالم.
أفعل ما يفعله الكتّاب عادةً في حالات الفقد: أكتب. أقلّب صفحات الماضي وأحيكها على هذه الصفحات البيضاء.
لا أفعل كما يفعل الملاكان؛ لا أدوّن الخطيئة والحسنة، بل أكتب ما يفوقهما، وما يبتعد عنهما، وما يتّحد بهما في آنٍ واحد.
جلسنا في إحدى الحدائق. وكأن يدكِ تعبت من حمل سندويش الفلافل، فوضعته بيننا؛ لعلّه حاجزٌ هشّ، أو تأكيدٌ على مشرقيّتنا التي لطالما حاولنا التجرّد منها، والتي لطالما كانت بؤرة روحيْنا.
فكّرتِ قليلًا، ثم بدا لكِ قضم السندويش سيمنحكِ مزيدًا من الوقت للعثور على استهلالٍ مناسب للكلام. بداية وإن كانت كل البدايات مجحفة بحقنا.
وبعدما انتهيتِ منه، وكمن وجد مخرجًا للطوارئ، قلتِ:
— يوجد مقهى يديره مشرقيٌّ آخر، لعلّنا نشرب عنده القهوة.
بدأت مخاوفي تشلّ حركة أفكاري.
وعندما جلسنا، أشرتِ إلى النادل. وحين جاء، طلبتِ فنجاني قهوة.
صمتُّ.
ارتحتُ للفكرة.
لكنّكِ أكملتِ الطلب:
— واحد سادة... والثاني سكر وسط.
شعرتُ بأن عالمي بدأ يتراخى، وأن تلك الذكريات باتت تخصّني وحدي. أما الشخص الجالس أمامي فكان غريبًا...
غريبًا، وأألفه.
عندها أدركتُ أن الذكريات لا تموت دفعةً واحدة، ولا تنطفئ كما تنطفئ الحرائق. إنها تتآكل ببطء، وتفقد ملامحها تفصيلًا بعد تفصيل، حتى لا يبقى منها سوى شبحٍ لما كان يومًا حياةً كاملة.
أدركتُ أن العمر الذي عشته معكِ لم يهدمه الفراق، ولم تقتله السنوات، بل هزمته ملعقةُ سكرٍ صغيرة!