اِنْفِصَال
ترك كل شيء، حاملاً حقيبته على ظهره، مودعًا ما تبقى منه في شقته؛ على سريره، في الأرض، على طاولة المطبخ، وفي خزانته. في طريقه نحو اللاشيء.
كان يتجزأ وتنفصل نفسه عن نفسه، كما تسقط الخطايا، وكما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس. كان يرى شيئًا لا يستطيع المارون الغرباء رؤيته، كما لو أن ما أمامه هو الخلاص الذي انتظره، أو لربما أنه فهم في نهاية الأمر أن كل شيء سيبقى على حاله. هل هذا العجز أم الخلاص؟ أم النور في غيهب الغسق؟ لا يعرف، ولا يريد أن يتذكر حتى، كان يحمل في قلبه تلك الذكرى الأخيرة.
كانت الرسائل مرمية على الأرض، وكان هو، كشيء زائد عن الحاجة، مرميًا بجانب هذه الرسائل. كان كشبح، والرسائل وما خُطّ عليها تبدو، للوهلة الأولى، لعين الرائي، حقيقةً أكثر من هذه الجثة التي بات ضوء الغد فيها عاجزًا أن يخترق تلك الأغصان التي نمت في قلبه.
انكمش على نفسه كمن عرف أكثر من اللازم. تجاوز حدود المنطق؟ لربما. قرأ أكثر من اللازم، حتمًا شعر بأنه خارج عن مدارنا، خارج عن تلابيب هذا الواقع، خارج من حاضرنا وماضينا، من واقعنا، نعم.
كانت الكتب مرمية، والرسائل خُطّ عليها ما لا تستطيع الورقة أن تحمله على عاتقها، ولا تستطيع أن تُرد أو تَرد. كانت محملة بالنداءات، بالشوق، بالحنين، وبدموع أمه وإخوته والذكريات.
في رسائلها الأولى تنبئه بضياع حلمه الأول، وما تلاه بعدها من أرضٍ سُرقت أمام ناظري أبيه.
وأما عن أخيه الأوحد، فاخترقته مئة طلقة رصاص. كان مصلوبًا عند بداية القرية كنبأ؛ لأنه سرق الأحرف وأخذ ينظم بها القصائد، ولأن القصائد لم تكن تتحدث سوى عنا، لا عن تلك المدينة المرسومة على حيطان شوارعنا، فقد ارتكب المعصية.
وفي آخر الرسائل كانت تذيّلها بـ:
«يا بني، نحن مجبولون على الفقدان. ولكن اكتب يا بني... اكتب كي يسمعك القدر. اكتب عن الظلمة التي تحيط بنا من كل صوب، عن يد الجلاد، عن المخبر في نشيد السياب، عن الماضي الذي ساقت إليه الهزائم كما الباغية تبحث عن زبون جديد، وعن بنتها التي تلاحقنا في حاضرنا، وعن ما أعمى أعيننا من رماد، وعن الشيطان الذي مجّده الأمل، وعن الأمل الذي يُذبح في أيامنا هذه كالقربان».