أقنعة
استيقظت، ولم يكن طعم المرارة تحت لساني، بل كانت الغرابة هي ما اكتسحني. كنتُ ملقىً على الأرض في مكانٍ غريب، يفوق بياضُه ضوء مصباح الفلورسنت الذي كان يقع فوق سريري، في موضعٍ بدا الآن بعيدًا عني، أو لعلني أنا الذي أصبحت قصيًّا عنه؛ كما لو أنني جثةٌ سحبتها الأمواج من مكانٍ ولفظتها في مكانٍ آخر. وقفت على قدميَّ، وكان الدوار يثقل رأسي، بينما ظل طعم الغرابة عالقًا تحت لساني. كانت الغرفة بيضاء تمامًا، خاليةً من أي شيء، وكأن كاتبًا بخل على شخصياته ببعض التفاصيل... تلك التفاصيل المهمة. في منتصف الجدار المقابل كان بابٌ أبيض، حتى مقبضه كان أبيض. شعرت بأنفاسي تتسارع، وكنت أجر قدميَّ، غير مدركٍ أأنا من يقودهما أم هما من تقودانني.
أدرت المقبض، فانفتح الباب على ممرٍ طويل، وعلى جانبيه المزيد من الأبواب. تجاهلت الباب الأول على يساري؛ عادةٌ اكتسبتها من أحدٍ لا أعرفه، أو ربما عرفته في زمنٍ بعيد. فتحت الباب الذي يليه، فإذا بغرفةٍ أخرى بيضاء، جرداء، تنقصها التفاصيل، كشحِّ مخيلة الكاتب. تركت المقبض وأكملت المسير، متجاهلًا بقية الأبواب. شعرت بأنني في حلم، لكنه حلمٌ طويل، بدا لي منذ اللحظة الأولى أنه لن ينقضي أبدًا. وكل ما كان ينقصني أن أغمض عينيَّ وأواصل السير بحثًا عن النهاية. لكن حتى النهاية هنا كانت مستحيلة. كان كل شيء يبدو بلا نهاية.
كنت أمشي محاولًا الهرب من تلك الأبواب، غير أن الممر لم يكن ينتهي، وكأن الأبواب تتجدد، أو تتناسخ، أو كأنني، أينما بدأت، أنتهي إلى النقطة نفسها، لتعود الدورة من جديد. وقفت ألتقط أنفاسي. رفعت رأسي، وحملقت في آخر الممر... ولمحت النهاية.
نهاية هذا الدرب. وكانت النهاية باب !
مشيت ببطء، كمن يعزف على نايٍ في نهاية مقطوعة حزينة.
أدرت المقبض بسرعة. وعندما انفتح الباب، كانت الغرفة بيضاء مثل سائر الغرف، لكنها احتوت شيئًا واحدًا.
أقنعة.
كانت معلقة على الجدران الأربعة، وتتدلى من السقف أقنعةٌ أخرى، وكأن الكاتب جمع كل التفاصيل التي بخل بها من قبل، ثم كدّسها هنا، في صورةٍ واحدة. جرتني قدماي إليها. شعرت بألفةٍ غريبة تجاه تلك الأقنعة. اقتربت أكثر، وكانت تفاصيلها تجذبني، كأن بيني وبينها أكثر من لحظةٍ مجنونة كُتبت على ورقةٍ بيضاء. بدأت أشعر بأنني موجود في كل هذه الأقنعة، وأن الصدفة لم تجمعني بها، بل ساقني إليها قدرٌ قديم.
بدأت ذاكرتي تعود. في عالمٍ كانت تربطني به حقيقةٌ واهية. كانت هذه الأقنعة هي ما ارتديته كل يوم، طوال خمسةٍ وعشرين عامًا.
كانت هذه الأقنعة هي أنا... أو لعلني أنا كل هذه الأقنعة.
فأينا أكثر حقيقة؟
أنا... أم هذه الأقنعة؟
مددت يدي إلى أحدها، وحاولت أن أرتديه، لكنه سقط من تلقاء نفسه. حاولت مع قناعٍ آخر، فسقط هو أيضًا. كررت المحاولة عشرات، بل مئات المرات. وفي كل مرة كنت أفشل. كانت أكوام الأقنعة تتراكم على الأرض، وكنت، بإصرارٍ لا يعرف الكلل، أبحث عن القناع الذي يكون على مقاسي، ويكون مقاسه مقاسي. لكن كأن كل الأقنعة كانت تخص أشخاصًا آخرين...
لا أنا.
وكأن شيئًا لم يعد يربطني بها.
كان سؤالٌ يلح عليَّ بضراوة في كل مرة أحاول فيها أن أرتدي قناعًا، ويشتد أكثر كلما سقط عن وجهي.
من أنا؟
من أنا بين هذه الأقنعة؟